Egyptian 24 News Egyptian 24 News
recent

آخر المشاركات

recent
جاري التحميل ...

تجاعيد الحب

 


"يحدث أن تعيش أكبر خسارات العمر دون أن تشعر، ولكن مرارة طعم أي فوز لاحق ستكون كفيلة بأن تجعلك تدرك حجم تلك الخسارة. وعندما ستمر يوما بجانب خسارتك الأعظم والتي كنت أنت خيبتها الأكبر، ستكتشف كم كنت مغفلا. ولكن الندم حين لا ينفع فإنه حتما يضر.

 لذلك، لا تدخل معركة خاسرة، من أجل شيء كان ليكون لك دون حاجة للقتال. ما كان ليكون لك سلما لا تحاول الحصول عليه حربا"   

هكذا قالت لي العرافة.

 لم تكن ترتدي زيا غجريا، ولا كان الوشم ذو اللون الأخضر يزين دقنها وجبينها الذي استوطنته تجاعيد العمر والألم، عرّافتي أنا كانت بعد على أبواب الثلاثين. لم تكن تشبه في شيء العرافات اللواتي اعتدت رؤيتهن في المسلسلات والأفلام.  حتى أنها لم تكن تردد أي عبارة لجذب المارة إليها ولا قالت الجملة المعهودة قبل أن تبوح بالسر وتفشي النبوءة: "ارم بياضك". والتي تعني أن أمنحها نقودا نظير مجهودها في كشف المستور، الذي لم أسألها عنه أصلا ولا كنت حتى أهتم بمعرفته. وحده الجهل بالمستقبل يعطي الحياة ألوانها ويزرع فينا الرغبة في الاستمرار وانتظار ما هو آت بلهفة وشغف. أما لو علمنا كل ما ينتظرنا حلوا كان أو مرّا لفقد العمر رونقه ولتجرد الوجود من لذته.

 الخوف، القلق، السعادة، الترقب، الحزن وغيرها الكثير من الأحاسيس ستضمحل ولن يكون لها مكان، ذلك أن حدوثها مرتبط بعنصر المفاجأة، وإن كنا على علم مسبق بكل ما سيحدث، وحده الملل سيكون رفيق الدرب. 

غريبة كانت، لم تقرأ كفي ولا افترشت الأرض ونثرت حجارتها وأصدافها ووشوشتها، لتزف لي البشرى بعدها، أو لتتغير ملامحها وتحاول التهرب مني، فأضغط عليها أنا وأرجوها ألا تخفي عني ما جاد به الودع. 

كل ما حدث لم يتجاوز دقائق معدودة، كانت قد ارتطمت بي وهي تخطو مسرعة بحثا عن ملجأ من المطر الذي اشتدت زخاته فوق رأسها الذي لم يكن يحميه سوى وشاح ملون لا يكاد يغطي الشيء الكثير، تاركا خيوط الذهب التي وضعت أشعة الشمس بصمتها عليها عرضة للبلل. كانت ثيابها قد ابتلت تماما وهي منكمشة فيها تحاول وضع حد لارتجاف جسدها النحيل، وهي تصارع الرياح القوية التي تأبى إلا أن تخلع عنها ثوب الدفء، ولكنها ومع كل هذا كانت تبدو أنيقة، لم ينل الجو الماطر والريح والإعصار شيئا من ألقها. والتقت أعيننا بينما أنا أعتذر لها، رغم أنها كانت المخطئة:

- أنا آسف يا سيدتي. هل أنت بحاجة للمساعدة؟ 

أمعنت النظر في عيني وأومأت لي أنها بخير ثم ألقت في وجهي بسيل من الجمل عن الخسارة والندم، وذهبت قبل أن أستوعب كلامها ودون أن تمنحني فرصة الاستفسار عن أي شيء، اختفت بين جموع المارّة وخلّفتني وسط الطريق مذهولا تتردد كلماتها في ذهني وكأنها ما مرّت من هذا المكان بالذات إلا لتلقاني وكأنها كانت مكلّفة بمهمة رسمية ما أن أتمّتها بنجاح حتى توارت عن الأنظار. 

انكمشت أنا أيضا في معطفي الشتوي الأسود الطويل، وتمسكت جيدا بقبعتي حتى لا تتمكن منها الرياح. وأخذت أسرع الخطى أسوة بكل المتواجدين حولي، الفرق الوحيد أني لم أكن أعرف وجهتي بالتحديد، كان كل شيء حولي يدور كما كان يدور حديثها المبهم في دماغي. كنت أتساءل، هل كانت نظرة واحدة إلى عينيّ كافية لسبر أغوارهما واكتشاف خبايا الروح؟ أهما فاضحتان إلى هذا الحد؟ وما لي أنا إذن كلما أمعنت النظر فيهما وفي انعكاس وجهي في المرايا، لا أرى سوى الفراغ؟ أتراني سأكون الخاسر أم أني أنا الخسارة الكبرى في حياة أحدهم؟ أترى الخسارة قد حدثت مسبقا ولم ألق لها بالا، أما أني ما زلت موعودا بها؟

تجاعيد الحب والحياة

الكاتبة المغربية د/ سكينة هكو

عن الكاتب

magicoftunis

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

Egyptian 24 News